أبي منصور الماتريدي
241
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
وقول الله - عزّ وجل - : يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَ أَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ . يوسف - لما سئل عن تأويل الرؤيا - دعاهم إلى توحيد الله ودلهم عليه ؛ فقال : ذلِكُما مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي ، وقال : يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَ أَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ ، أي : عبادة رب واحد وإرضاؤه خير أم عبادة عدد وإرضاء نفر ؟ لأنه إذا عبد بعضا واجتهد في إرضائهم أسخط الباقين ؛ فلا سبيل إلى الوصول إلى مقصوده والظفر بحاجته ؛ إذ لا يقدر على إرضائهم جميعا ، وإن اجتهد ، وأما الواحد : فإنه يقدر على إرضائه ؛ إذ لا يزال يكون في عبادته وإرضائه ؛ فيصل إلى حاجته والظفر بمقصوده . والثاني : يخبر أن الواحد القهار يقهر غيره من الأرباب ومن تعبدون ؛ فعبادة الواحد القهار خير من عبادة عدد مقهورين . وقوله - عزّ وجل - : ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ . من الأصنام والأوثان . إِلَّا أَسْماءً سَمَّيْتُمُوها . آلهة . أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ . ولا يستحقون العبادة ولا التسمية بالألوهية ؛ إنما المستحق لذلك : الذي خلقكم وخلق السماوات والأرض . ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ . أي : ما أنزل الله على ما عبدتموهم وسميتم أنتم وآباؤكم آلهة من حجة ولا برهان . إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ . أي : ما الحكم - في الألوهية والربوبية والعبادة - إلا لله [ ليس كما تقولون : ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى [ الزمر : 3 ] . وقولهم : هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ [ يونس : 18 ] يقول : ما الحكم في العبادة والألوهية إلا لله ] « 1 » . أو يقول : ما الحكم في الخلق إلا لله ؛ كقوله : أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ [ الأعراف : 54 ] أي : له الخلق وله الأمر في الخلق . و أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ . حكمه هذا : أمر ألا تعبدوا إلا إياه . وقوله - عزّ وجل - : ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ .
--> ( 1 ) ما بين المعقوفين سقط في أ .